لم يكن انهيار نظام التعليم في العراق وليدَ لحظةٍ عابرة أو أزمةٍ طارئة، بل هو نتيجةُ تراكماتٍ طويلة من السياسات الخاطئة، والقرارات المرتجلة، والتحولات الاجتماعية التي أفرغت التعليم من جوهره الحقيقي. فقد تحوّل الهدف الأساس من طلب العلم إلى مجرد الحصول على الشهادة، وغابت القيمة المعرفية التي تُبنى بها العقول وتُصان بها الأوطان.
إنّ الغالبية العظمى من الطلبة باتت تنظر إلى الدراسة بوصفها معبراً وظيفياً لا مشروعاً علمياً، وسُلّماً شكلياً لا وسيلةً لبناء الفكر والمهارة. وقد ساعدت على ترسيخ هذا الواقع جملةٌ من القرارات التربوية التي شجّعت على النجاح الشكلي، وقلّلت من شأن الجهد العلمي الحقيقي، حتى صار النجاح متاحاً بأدنى المتطلبات، بينما أُقصي التفوّق والاجتهاد، وسُوّي بين المجتهد والمقصّر.
ولا يمكن عزل هذا التدهور عن التدخل السياسي في الشأن التعليمي، الذي يُعدّ أحد أخطر أسباب الانهيار؛ فقد خضع التعليم في كثير من المراحل لمنطق إرضاء الشارع وامتصاص الأزمات، بدلاً من الاحتكام إلى المعايير الأكاديمية الرصينة. ومن أبرز مظاهر ذلك فرضُ ما يُعرف بـ "نظام المحاولات"، وهباتُ الدرجات، وقراراتُ المعالجة الاستثنائية لما يُسمّى بـ "الحالات الحرجة". وهي قرارات رُفعت لها عناوين إنسانية، لكنها في حقيقتها أضعفت هيبة الامتحان، وكرّست ثقافة الاتكالية، وأفرغت التقييم من معناه العلمي.
إنّ الاستمرار في العمل بهذه الإجراءات لا يُصلح الخلل، بل يعمّقه، وإيقافها يُعدّ خطوةً أساسية، وكفيلةً ـ إلى حدٍّ كبير ـ بإيقاف التدهور المتسارع، وإعادة شيءٍ من الانضباط والعدالة إلى العملية التعليمية.
كما أسهمت هذه السياسات في إضعاف مكانة المعلّم والأستاذ، حين جُرّدت المؤسسة التعليمية من سلطتها التربوية، وغابت المحاسبة الجادّة، فانعكس ذلك على مستوى الأداء والانضباط داخل المدارس والجامعات، وولّد حالةً من اللامبالاة العامة تجاه العلم والمعرفة.
ومن جهةٍ أخرى، لا يمكن تجاهل الدور المجتمعي في تعميق الأزمة، إذ ترسّخت لدى شريحة من الطلبة وأولياء الأمور قناعةٌ خطيرة مفادها أن وجود الابن في جامعةٍ أهلية يعني بالضرورة شراء الشهادة لا طلب العلم. هذه النظرة المشوّهة أسهمت في قتل روح الجدية، وتحويل التعليم الأهلي ـ في أذهان البعض ـ إلى صفقةٍ مالية لا رسالةٍ علمية.
وفي المقابل، فإنّ بعض المستثمرين في التعليم الأهلي نظروا إلى الطالب بوصفه رقماً مالياً لا مشروعاً معرفياً، فغابت المسؤولية الأكاديمية، وحضرت لغة الأرباح على حساب النوعية والمخرجات. والحال أنّ التعليم، حكومياً كان أم أهلياً، لا يُقاس بعدد القاعات والمباني، بل بمستوى الخريجين، وقدرتهم على التفكير، والإبداع، وخدمة المجتمع.
إنّ إصلاح التعليم في العراق لا يبدأ بتغيير المناهج وحدها، بل يتطلب:
* فصل التعليم عن الضغوط والتدخلات السياسية.
* إيقاف القرارات الاستثنائية التي تهدر القيمة العلمية.
* إعادة الاعتبار لمكانة المعلّم والأستاذ.
* تصحيح نظرة الطالب والأهل إلى معنى التعليم والشهادة.
* إلزام المؤسسات الأهلية والمستثمرين بالمعايير الأكاديمية والأخلاقية.
فالأمم لا تُبنى بالأوراق المختومة، ولا بالشهادات المشتراة، بل بالعقول الواعية، والكوادر المؤهلة، والتعليم الذي يُنتج إنساناً يعرف لماذا يتعلّم، وكيف يوظّف علمه في خدمة وطنه.