لا يخفى على المتتبع اللبيب أن المجتمعات التي مرّت بحالات من الانكسار الحضاري أو الاضطراب الفكري نتيجة الغزو الفكري، تعاني من ظاهرة لافتة تتمثل في الهوس بتقليد الآخر، ولا سيما في المظاهر الشكلية، وخاصة في أوساط الشباب، حتى أصبح التقليد الأعمى بديلاً عن الإبداع وبشكل لا شعوري.
ويمكن رؤية هذا السلوك بأوضح صوره في الملبس وقصّات الشعر، وفي المقابل نرى تراجعاً مؤسفاً في أهم النواحي الحياتية التي ترتقي بالإنسان إلى مصافي التقدم والازدهار، كالاهتمام بالعلم والمعرفة والقيم الأخلاقية السامية. غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في الاقتصار على القشور، والانهماك في تقليد المظاهر الاستهلاكية الفارغة، مع إهمال الجوهر الذي صنع نهضة تلك الأمم.
كل هذا هو نتيجة ما تتعرض له مجتمعاتنا من حرب ناعمة، عُدّت في بعض صفحاتها الأزياء الغريبة التي تذهب بالحياء والحشمة، وقصّات الشعر الشاذة، وأنماط السلوك الدخيلة أدواتٍ لإثبات التحضّر المزعوم، في حين أصبحت النظرة المجتمعية إلى الملتزمين بالقيم الأصيلة والهوية الثقافية نظرة ازدراء أو تخلّف.
وهذا التحول في المفاهيم لا يعكس انفتاحاً حضارياً بقدر ما يعطينا دلالة على وجود أزمة ثقة بالنفس، وشعورٍ دفين بالدونية، وهو ما يُعد من أبرز سمات المجتمعات المهزومة فكرياً.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة جوهرية في غاية الأهمية، ألا وهي عدم اكتراث الدولة بمواجهة هذه التحديات من خلال تضمين المناهج الدراسية ما يضمن تحصين الجيل من هذه الآفات الفتّاكة، فضلاً عن السعي إلى وضع الخطط والبرامج الهادفة عبر نقل التجارب الناجحة في البحث والابتكار والانضباط المؤسسي، والتركيز على الجوهر الذي صنع نهضة تلك الأمم، وأعتقد أن هذا هو الحل الأمثل الذي إن طُبّق يُجنّبنا إنتاج جيل منشغل بالمظهر، فقير في الفكر، يحمل أنماطاً سلوكية لا تنسجم مع قيم المجتمع ولا مع ثوابته الدينية، تحت شعار الحرية الشخصية أو التماشي مع العصر، دون وعي بحدود الحرية ولا بآثار الانهيار القيمي على الفرد والأسرة والمجتمع.
وهنا يتحول التقليد من ظاهرة فردية إلى ظاهرة اجتماعية تهدد التماسك والهوية. حيث أن المجتمعات الحية لا تُقاس بمدى تشابه شبابها مع شباب الغرب في اللباس والشكل، بل بقدرتها على إنتاج العلم، واحترام العمل، وبناء الإنسان بناءً أخلاقياً وفكرياً. أما المجتمعات التي تختزل النهضة في المظهر، فهي في حقيقتها تعمّق هزيمتها بدل أن تتجاوزها.
وخلاصة القول، إن المطلوب من الجميع، وخاصة الآباء والمتصدّين والعاملين في الحقل التربوي والتعليمي، بناء وعي نقدي يميّز بين ما يُقتبس لبناء القوة والعلم، وما يُرفض لأنه يفرغ الإنسان من هويته وقيمه. فالأمم لا تنهض بتقليد قصّات الشعر، بل بصناعة العقول، ولا تستعيد مكانتها بتغيير الأزياء، بل بتغيير مسار الفكر والعمل والأخلاق.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾