لم يأتِ اهتمامُ المشرّع العراقي بتنظيم السلوك العام في الأماكن العامة من فراغ، بل انطلق من إدراكٍ عميق لما تسببه بعض الممارسات من إضرار بالسكينة الاجتماعية والذوق العام، وما تخلّفه من آثار سلبية في راحة المواطنين وانسجام المجتمع. ومن بين تلك الممارسات ظاهرةُ رفع الأصوات في الأماكن العامة، ولا سيما عبر تشغيل الأغاني والمقاطع الموسيقية بصخبٍ وإزعاج، وبصورة لا تراعي حرمة المكان ولا خصوصية المجتمع.
وقد عالج قانون العقوبات العراقي هذه الإشكالية بنصوصٍ صريحة، إذ نظر إلى السلوكيات التي تُخلّ بالآداب العامة وتُسبب إزعاجًا للآخرين على أنها أفعال مُجرّمة تستوجب المساءلة القانونية. وجاءت المادة (404) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969م، ونصّها:
"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة أو بغرامة لا تزيد على مائة دينار كل من جهر بأغانٍ أو أقوال فاحشة أو مخلة بالحياء بنفسه أو بواسطة جهاز آلي وكان ذلك في محل عام"، لتؤكد هذا التوجّه، إذ جرّمت الأفعال التي تمسّ الحياء والذوق العام، ومن بينها إزعاج الغير في الطرق والأماكن العامة بأصوات أو تصرفات لا يقرّها العرف السليم ولا تقبلها القيم الاجتماعية.
ولا يقتصر التجريم هنا على مجرد مخالفة شكلية، بل يتجاوز ذلك إلى بُعدٍ أخلاقي وثقافي؛ إذ إن رفع الأصوات بشكلٍ مزعج، ولا سيما الأغاني ذات المضامين غير اللائقة، يُعد سلوكًا بعيدًا عن الذوق العام، ويشكّل اعتداءً غير مباشر على حق الآخرين في الهدوء والاحترام، فضلًا عن كونه مظهرًا من مظاهر الفوضى السلوكية التي لا تنسجم مع قيم المجتمع العراقي الأصيلة.
وتتضاعف خطورة هذه الظاهرة حين تقع في المدن المقدسة، وفي مقدمتها مدينة كربلاء، التي تتمتع بمكانة دينية وروحية وتاريخية خاصة، جعلتها رمزًا للقيم الأخلاقية، ومهوى أفئدة الملايين من الزائرين من داخل العراق وخارجه. فكربلاء ليست مجرد مدينة، بل هوية ورسالة، ارتبط اسمها بالوقار والسكينة، واحترام الشعائر، واستحضار القيم التي جسّدتها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).
إن السماح بانتشار مظاهر الضجيج ورفع الأصوات غير المنضبطة في شوارع كربلاء وأماكنها العامة، ولا سيما في محيط العتبات المقدسة والمناطق التي يقصدها الزائرون، يُعد مساسًا بهوية المدينة وتشويهًا لصورتها الروحية والحضارية، ويتعارض مع قدسيتها وطبيعة الدور الذي تؤديه بوصفها مدينةً للشعائر والزيارة والوعي الديني.
ومن هنا، فإن تفعيل النصوص القانونية، ولا سيما المادة (404) من قانون العقوبات، لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه إجراء عقابي فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذوق العام، وصون الهوية الثقافية والدينية للمدينة، والحفاظ على السلم المجتمعي. كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الأفراد وأصحاب المحال التجارية والفعاليات الاجتماعية، عبر ترسيخ ثقافة احترام المكان والزمان والخصوصية العامة.
وخلاصة القول، إن احترام الهدوء العام والابتعاد عن رفع الأصوات المزعجة ليس التزامًا قانونيًا فحسب، بل هو سلوك حضاري يعكس وعي الإنسان وانتماءه، ويكتسب أهمية مضاعفة في مدينة كربلاء المقدسة، التي تمثل ضمير الأمة وذاكرتها الحيّة، وتستحق أن تُصان هويتها من كل ما يشوّه قدسيتها أو يسيء إلى رسالتها.