بلغ الحدّ ببعض المسلمين إلى الإفراط في إقامة احتفالات رأس السنة، ليتحوّل الأمر من مجرّد مظهر اجتماعي عابر إلى حالة من الانغماس في اللهو والمجون، على حساب الوعي بالمسؤولية الحضارية والرسالة التاريخية للأمة. وقد دفع ذلك أحد رجالات الكنيسة في العراق إلى التصريح بأن المسيحيين يقيمون احتفالاتهم داخل الكنائس، فيما باتت مواقع الانحلال والانحطاط في العراق معروفة ومكشوفة.
وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة، "سيف البدر"، لوكالة الأنباء العراقية (واع)، أن وزارة الصحة سجلت إحصائية غير نهائية للإصابات في ليلة رأس السنة بسبب الألعاب النارية، تشير إلى تسجيل نحو (300) إصابة، كان أغلبها في جانب الرصافة، بواقع (200) إصابة، ونحو (67) إصابة في الكرخ، فيما توزعت بقية الإصابات على المحافظات العراقية الأخرى.
ولم تعد هذه المظاهر مجرّد احتفالات زمنية عابرة، بل أصبحت تعبيرًا عن فراغ فكري، وانفصالٍ مقلق عن قضايا الأمة المصيرية، وهمومها الثقافية والإنسانية.
إنّ الأمة التي تنشغل بالطرب والضجيج، وتغفل عن مستقبلها، وتتناسى دورها في صناعة الحضارة وبناء القيم، تتحوّل إلى أمةٍ مهزومة فاقدة لوعيها قبل واقعها، أضاعت بوصلتها، ولا تُحسن سوى الاستهلاك والتقليد، بعد أن كانت أمة فكرٍ ورسالةٍ وبناء.
مظاهر الانحراف وخطورة الترويج للضلال
إنّ أخطر ما في هذه الممارسات المرتبطة باحتفالات رأس السنة، ليس مجرّد اللهو العابر أو التقليد الأعمى، بل ما تنطوي عليه من مخالفات شرعية وأخلاقية صريحة، يأتي في مقدّمتها الاختلاط المحرّم، الذي يُروَّج له بوصفه "تحضّرًا" و"حرية شخصية"، في حين أنّه في حقيقته اعتداء واضح على منظومة القيم الإسلامية.
ويُضاف إلى ذلك تخلي الأمة عن قضاياها المصيرية، في وقتٍ تشهد فيه الساحة الدولية قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، واعتداءات سافرة على الشعب الفلسطيني المظلوم، فضلًا عن الحرب المعلنة ضد الإسلام والمسلمين من قبل الغرب، في انتهاك صارخ لحدود الشريعة، وتطبيع متعمّد مع الفساد الأخلاقي، يهدف إلى الاصطفاف مع أعداء الإسلام وتنفيذ مخططاتهم.
ولا يقف الأمر عند حدود السلوك الفردي، بل يتعدّاه إلى تحويل هذه الأفعال إلى أدوات منظّمة لترويج الضلال عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض مشاهد المجون والانفلات وكأنها نموذج يُحتذى، وتُقدَّم بوصفها مظهرًا للرقيّ الاجتماعي، بينما يُسخَّف الالتزام الديني، ويُحاصَر الحياء، ويُصوَّر على أنّه تخلّف وانغلاق.
استهداف المدن المقدسة ومسخ هويتها
إنّ ما يزيد من خطورة هذه الظاهرة هو اختيار المدن المقدسة مسرحًا لمثل هذه الممارسات، في محاولة واضحة للإساءة إلى قدسيتها، وضرب هويتها الدينية والتاريخية، وإفراغها من رمزيتها الروحية. فالمدن التي شُيّدت على قيم التضحية والطهر والالتزام، لا يمكن اختزالها في مشاهد صاخبة دخيلة، تُفرض عليها فرضًا تحت عناوين زائفة كالسياحة، أو الانفتاح، أو مواكبة العصر.
إنّ هذا الاستهداف ليس عفويًا ولا بريئًا، بل يندرج ضمن مشروع ثقافي هدّام، يسعى إلى تطبيع الرذيلة في أكثر الأماكن حساسية، وكسر الحواجز النفسية والأخلاقية لدى المجتمع، تمهيدًا لقبول ما هو أشدّ خطرًا وانحرافًا في المستقبل.
مسؤولية المجتمع والنخب
وأمام هذا الواقع، تبرز مسؤولية المجتمع، والنخب الثقافية، والمؤسسات الدينية والإعلامية، في التصدي لهذه الظواهر عبر خطاب واعٍ ومتزن، لا ينجرّ إلى الفوضى، ولا يهادن الباطل. فالصمت عن هذه الممارسات يُعدّ تواطؤًا غير مباشر، والتهاون معها يُسهم في ترسيخها وتحويلها إلى أمرٍ مألوف.
إنّ الحفاظ على هوية المدن المقدسة، وصيانة القيم الأخلاقية للمجتمع، ليس ترفًا فكريًا ولا تشددًا مرفوضًا، بل هو واجب شرعي وأخلاقي وحضاري، يفرضه الانتماء لهذه الأمة، والوفاء لتاريخها، والحرص على مستقبل أجيالها.