يُعدّ "مؤتمر الأربعين" الذي تتبناه العتبة الحسينية المقدسة، حدثاً يتجاوز حدود الطقس الديني ليغدو مشروعاً ثقافياً ومعرفياً ذا أبعاد عالمية، فبوساطة تبنّي الراعي الشرعي للعتبة الشيخ " عبد المهدي الكربلائي " هذا المشروع الفريد، انفتحت أمام الباحثين والجامعات العراقية والعربية والعالمية فضاءات جديدة لرؤية الإمام الحسين بن علي "عليهما السلام "بعده رمزاً إنسانياً تتجسد فيه القيم العليا للعدل والثورة ضد الظلم والدفاع عن الاسلام والحرية والكرامة، وهذا ما يجعل المؤتمر حدثاً ثقافياً مضاعفاً: ظاهرُهُ طقسٌ مقدّس، وباطنه نسقٌ معرفي ينتج خطاباً عالمياً عن الحسين السبط المظلوم .
    وعلى وفق النقد الثقافي عند الناقد السعودي "عبد الله الغذامي"، يمكن قراءة المؤتمر باعتباره ممارسة تكشف الأنساق المضمرة التي تعمل تحت سطح الخطاب، فالاحتفاء بالإمام الحسين( عليه السلام ) ومرور أربعين يومًا على مقتله في هذا المؤتمر لا يقتصر على الشعائر، بل يضمر نسقاً ثقافياً يسعى ترسيخ كونية الإمام الحسين ( عليه السلام) وأفقه العالمي المتداول في الجامعات والمجلات العلمية وتدخل في حوار أكاديمي عالمي. هنا يتجلى ما يسميه الغذامي بـ"النسق المضمر": حيث يتحوّل المقدس إلى خطاب ثقافي يخترق الحدود الجغرافية ويعيد إنتاج الهوية العراقية في بعدها الحضاري والإنساني.
      فغدا مشروع المؤتمر مشروعًا إنسانيًا فريدًا تتشابك فيه طاقة الروح مع صوت العقل فبفضل الجهود الحثيثة التي بُذلت من قبل العتبة ومركز كربلاء للدراسات والبحوث متمثلة برئيسها الأستاذ" عبد الأمير القرشي" ومجموعة كبيرة من الجامعات العراقية مثل جامعة كربلاء وبغداد وذي قار...الخ – تبيّن كيف أنَّ النسق الظاهر (الكرم والضيافة والخدمات المجانية: الإقامة الراقية، الطعام، النقل، الشهادات، نشر البحوث) يخفي وراءه نسقاً آخر أكثر عمقاً: وهو صناعة صورة حضارية عن العراق وقدرته على إدارة حدث عالمي بمواصفات أكاديمية عالية، فالمؤتمر هنا يتحوّل إلى خطاب إشهاري ثقافي يعيد تشكيل صورة كربلاء في المخيال الإقليمي والدولي.
    إنَّ الإقامة المجانية في مدينة سيد الأوصياء، والنقل المهيأ بأرفع صورة، وموائد الطعام التي تعكس ذائقة الضيافة العراقية، ليست تفاصيل عابرة ولا كماليات ثانوية ، بل هي جزء من خطاب ثقافي عميق واسع يرسم ملامح السبط الثائر ويقدمه للعالم باعتباره رمزاً للكرامة الإنسانية والعدل الكوني ، فالباحث الذي يدخل كربلاء ضيفاً، لا يتعامل معه المنظمون كزائر عابر، بل كـ"شريك في صناعة خطاب الحسين"؛ يُكرّم بدرعٍ وشهادةٍ، ويُنشر بحثه في "مجلة الأربعين" المعترف بها أكاديمياً، ليعود إلى جامعته وهو يحمل الإمام الحسين( عليه السلام) في صورة بحثية علمية تضيف إلى مسيرته الأكاديمية.
       ولم يكن نجاح المؤتمر مرهونًا بالجهود التنظيمية فحسب، بل إنّ الباحثين المشاركين شكّلوا الركيزة الأساس التي أضفت على المؤتمر عمقه العلمي وتنوعه الثقافي؛ فقد حمل كل باحث معه تجربة فكرية ورؤية مختلفة، وقدموا بحوثًا تباينت عناوينها بين الدراسات التاريخية والتحليلات الأدبية والقراءات الفلسفية والبحوث الاجتماعية والمعرفية، فتجسد الإمام الحسين ( عليه السلام) في أوراقهم نصًا مفتوحًا على دلالات شتى، يتجدد بتجدد زوايا النظر إليه. هذا التنوع لم يكن مجرد تناثر في الموضوعات، بل هو برهان على أنّ قضية الإمام الحسين قادرة على أن تظل حاضرة في كل حقل من حقول المعرفة، وأنها تملك مرونة رمزية تجعلها موضوعًا صالحًا للبحث العلمي، من البصرة إلى دهوك، ومن العراق إلى بقية بقاع العالم.
        بهذا المعنى يتحول المؤتمر، من منظور النقد الثقافي، إلى نص ثقافي حيّ: ظاهره احتفال علمي، وباطنه نسقٌ يعيد صياغة سبط الرسول في خطاب عالمي، يجعل منه أيقونة معرفية إلى جانب كونه قدوة روحية، والجهود التي تبذلها العتبة الحسينية هنا ليست مجرد خدمات مجانية، بل هي رسالة بليغة للعالم: أنّ كربلاء قادرة على الجمع بين العطاء الروحي والإنجاز العلمي، وأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) ليس ملكاً لمكان ولا لطائفة، بل هو صوتٌ إنساني يتردّد في كل ثقافة تبحث عن العدل والحرية.
ختامًا نرى أنَّ مؤتمر الأربعين ليس مجرد فعالية سنوية، بل هو فعلٌ ثقافي يعيد صياغة الهوية، ويكشف عن أنساق مضمره تستثمر المقدس في إنتاج خطاب عالمي عن الإمام الحسين( عليه السلام)، فالمؤتمر يجمع بين الضيافة المادية والكرامة المعنوية، بين الطقس والشأن الأكاديمي، بين الهوية المحلية والعالمية، وهكذا يظهر الإمام الحسين( عليه السلام)لا بوصفه رمزاً دينياً فقط، بل باعتباره خطاباً إنسانياً كلياً يملك القدرة على اختراق الحدود الثقافية وإعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر الأنساق الثقافية التي يفككها "الغذامي".
   م.م حوراء شهيد حسين
المقال يمثل رأي الكاتب وليس بالضرورة ان يمثل رأي المركز