في خطوة عمرانية غير مسبوقة، شهدت مدينة كربلاء في عام 1871م واحدة من أبرز مراحل توسعها الحضري، وذلك خلال زيارة والي بغداد آنذاك، "مدحت باشا"، إلى المدينة المقدسة، حيث أصدر قراراً تاريخياً بإنشاء محلة جديدة خارج القصبة القديمة لكربلاء حملت اسم "العباسية"، بهدف استيعاب التزايد السكاني والنمو الكبير في أعداد الزائرين من الداخل والخارج.
وقد جاء هذا القرار على خلفية عدد من التحديات والمتغيرات التي فرضت نفسها على المشهد العمراني والإداري للمدينة، إذ أدى ضيق القصبة القديمة وازدحامها المستمر، فضلاً عن ارتباط أقضية مثل الهندية إدارياً بكربلاء، إلى زيادة الضغط على البنية التحتية للمدينة.
من جهة أخرى، ساهم تطور العلاقات بين إيران وولاية بغداد في تشجيع المزيد من الزوار الإيرانيين على التوافد إلى كربلاء، مما دفع السلطات العثمانية إلى التفكير بحلول عملية لمواجهة الاكتظاظ، وكان من بينها نقل الدوائر الحكومية إلى منطقة جديدة خارج النطاق القديم للمدينة.
وبالفعل، رفع مجلس إدارة لواء كربلاء في نيسان من نفس العام طلباً رسمياً إلى وزارة الداخلية العثمانية عبر ولاية بغداد، يقترح فيه إنشاء مقر إداري جديد ونقل المؤسسات الحكومية إليه.
هذا وقد دعم المجلس طلبه بتقديرات مالية دقيقة، حيث قدرت كلفة المشروع بـ(100,000) قرش، مشيراً إلى إمكانية تغطية جزء من هذه التكاليف عبر بيع المبنى الحكومي القديم، الذي من المتوقع أن يدرّ مبلغاً يتراوح بين (70,000 - 80,000) قرش.
كما اقترح المجلس استخدام المقر القديم كموقع إضافي لقوات الجيش العثماني المتمركزة في اللواء، نظراً لقربه من الثكنات العسكرية، وقد لاقى هذا الطرح قبولاً سريعاً من وزارة الداخلية، التي خاطبت وزارة المالية لتخصيص كامل المبلغ من الميزانية العامة لبناء المقر الإداري الجديد في كربلاء.
وبذلك تحول المشروع إلى واقع ملموس أعاد رسم ملامح المدينة، وفتح الباب أمام توسعات مستقبلية كان لها أثر بالغ في تطور كربلاء الحديثة.
المصدر: مركز كربلاء للدراسات والبحوث، موسوعة كربلاء الحضارية، المحور التاريخي، قسم التاريخ الحديث والمعاصر، الوثائق العثمانية، ج1، 2017، ص41-43.