الحمد لله الذي أكرمنا بولاء محمدٍ وآل محمد، والحمد لله الذي أبقى لنا الحسين مناراً للحرية وصوتاً خالداً في وجه الظالمين.
إنّ الشعائر الحسينية لم تكن يوماً طقساً عابراً أو عادةً اجتماعية، بل كانت مدرسةً للوعي، ومنبراً للكرامة، وصوتاً للمحرومين والمستضعفين. ولهذا السبب، كان الطغاة على مرّ العصور يرون فيها خطراً على عروشهم، لأنها توقظ الشعوب وتفضح الظلم وتعلن الثورة على الجور.
وفي عراقنا الجريح، واجه شعبنا في ظل النظام الصدامي أعتى موجات الإرهاب المنظّم. لقد حاول ذلك النظام البعثي الطاغوتي أن يُطفئ نور الحسين، فحظر المسيرات، وضيّق على المواكب، وزجّ المؤمنين في السجون، وشرّد العوائل، ونصب المشانق لأحرار هذا الشعب. لم يكن جرمهم إلا أنهم قالوا: "نريد أن نزور الحسين"، ولم يكن ذنبهم إلا أنهم أرادوا أن يرفعوا شعار: "يا حسين".
ومن هنا جاء يوم مشهود في تاريخ العراق، يوم انتفاضة صفر عام 1977، حين تحركت جموع الزائرين من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة متحدّين سياط الطغيان، مرددين: "لبيك يا حسين". لقد كانت تلك المسيرة تجديداً لعاشوراء، وكانت مواجهة بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل. فارتوت أرض العراق بدماء الشهداء، وازدحمت المعتقلات بالأبرار، لكنّ الصوت الحسيني بقي يعلو رغم الرصاص والقمع والتهديد.
انتفاضة صفر 1977 لم تكن مجرد حادثة أمنية كما حاول النظام أن يصفها، بل كانت ثورة إيمانية، وإعلاناً واضحاً أنّ الحسين لا يُحاصر، وأنّ كربلاء لا تُمنع، وأنّ عشق الحسين أقوى من السجون والمشانق والدبابات. تلك الانتفاضة كانت الشرارة التي مهّدت لطريق المقاومة الطويل، حتى سقط الصنم وتهاوى عرش الطاغية.
واليوم، ونحن نُحيي ذكرى تلك الانتفاضة المباركة، علينا أن نستحضر معانيها ودروسها: أن نقف دائماً بوجه الظلم، أن نصون شعائرنا من أي محاولة تهميش أو تشويه، وأن ننقل إلى الأجيال أنّ دماء الشهداء هي التي أبقت لنا هذه الشعائر حيّة نابضة، وأنّ شعار "يا حسين" سيبقى أقوى من كل طاغوت.
فالسلام على شهداء انتفاضة صفر، والسلام على كل من حمل لواء الحسين في وجه الإرهاب الصدامي، والسلام على الحسين يوم وُلد ويوم استشهد ويوم يُبعث حياً.